أحمد بن محمد القسطلاني
267
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
للقول الأول إطلاق اللفظين في المحل الواحد في الأحاديث . قال الحافظ عبد العظيم المنذري ، ومن قبله القاضي أبو بكر بن العربي : حديث الكسوف رواه عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سبعة عشر نفسًا ، رواه جماعة منهم بالكاف ، وجماعة بالخاء . وجماعة باللفظين جميعًا . اه - . ولا ريب أن مدلول الكسوف لغة غير مدلول الخسوف ، لأن الكسوف ، بالكاف : التغير إلى سواد ، والخسوف ، بالخاء النقص والذل . كما مر . في أول كتاب الكسوف . فإذا قيل في الشمس : كسفت أو خسفت ، لأنها تتغير ويلحقها النقص ساغ ذلك ، وكذلك القمر ، ولا يلزم من ذلك أن الكسوف والخسوف مترادفان . ( وقال الله تعالى ) في سورة القيامة ( { وَخَسَفَ الْقَمَرُ } ) [ القيامة : 8 ] في إيراده لها إشعار باختصاص القمر بخسف الذي بالخاء ، واختصاصها بالذي بالكاف كما اشتهر عند الفقهاء ، أو أنه يجوز الخاء في الشمس كالقمر لاشتراكهما في التغير الحاصل لكل منهما . 1047 - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا اللَّيْثُ حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخْبَرَتْهُ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى يَوْمَ خَسَفَتِ الشَّمْسُ فَقَامَ فَكَبَّرَ فَقَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ . وَقَامَ كَمَا هُوَ ، ثُمَّ قَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً وَهْيَ أَدْنَى مِنَ الْقِرَاءَةِ الأُولَى ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً وَهْيَ أَدْنَى مِنَ الرَّكْعَةِ الأُولَى ، ثُمَّ سَجَدَ سُجُودًا طَوِيلاً ، ثُمَّ فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ مِثْلَ ذَلِكَ ، ثُمَّ سَلَّمَ - وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ - فَخَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ : إِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لاَ يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلاَ لِحَيَاتِهِ ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَافْزَعُوا إِلَى الصَّلاَةِ " . وبالسند قال : ( حدّثنا سعيد بن عفير ) هو : سعيد بن كثير ، بالمثلثة ، ابن عفير ، بضم العين وفتح الفاء ، الأنصاري البصري ( قال : حدّثنا الليث ) بن سعد ( قال : حدّثني ) بالإفراد ( عقيل ) بضم العين ، المصري ( عن ابن شهاب ) الزهري ( قال : أخبرني ) بالإفراد ( عروة بن الزبير ) بن العوام ، التابعي ( أن عائشة ) رضي الله عنها ( زوج النبي ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، أخبرته ) . ( أن رسول الله ) وللأصيلي : أن النبي ( - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، صلّى يوم خسفت الشمس ) بالخاء المفتوحة ( فقام فكبر ) للإحرام ( فقرأ ) بعد الفاتحة ( قراءة طويلة ، ثم ركع ) بعد أن كبر ، ( ركوعًا طويلاً ، ثم رفع رأسه ) من الركوع ( فقال ) : ( سمع الله لمن حمده ) ربنا لك الحمد ( وقام ) بالواو ولأبي ذر في نسخة : فقام ( كما هو ، ثم قرأ قراءة طويلة ، وهي أدنى من القراءة الأولى ، ثم ركع ) ثانيًا ( ركوعًا طويلاً وهي ) أي : الركعة ( أدنى من الركعة الأولى ، ثم سجد سجودًا طويلاً ، ثم فعل في الركعة الآخرة ) بمد الهمزة بغير ياء قبل الراء ( مثل ذلك ) من طول القراءة وزيادة الركوع بعد ، لكنه أدنى قراءة وركوعًا من الأولى ، والرابعة أدنى من الثالثة . فيستحب أن يقرأ في الأربعة السور الأربعة الطوال : البقرة ، وآل عمران ، والنساء ، والمائدة . ويسبح في الركوع الأول والسجود ، في كل منهما ، قدر مائة آية من البقرة ، وفي الثاني قدر ثمانين ، وفي الثالث قدر سبعين ، وفي الرابع قدر خمسين تقريبًا كما مر . ولا يطيل في غير ذلك من الاعتدال بعد الركوع الثاني ، والتشهد والجلوس بين السجدتين . لكن قال في الروضة ، بعد نقله عن قطع الرافعي وغيره : إنه لا يطيل الجلوس . وقد صح في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص : أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سجد ، فلم يكد يرفع ، ثم رفع فلم يكد يسجد ، ثم سجد فلم يكد يرفع ، ثم فعل في الركعة الأخرى مثل ذلك . ومقتضاه كما قال في شرح المهذّب : استحباب إطالته ، واختاره في الأذكار . ( ثم سلم - وقد تجلت الشمس - ) بالمثناة الفوقية وتشديد اللام ( فخطب الناس ، فقال في كسوف الشمس والقمر ) بالكاف : ( إنهما آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته ) بفتح المثناة التحتية وكسر السين بينهما خاء معجمة . وهذا موضع الترجمة ، لأنه استعمل كل واحد من الكسوف والخسوف في كل واحد من القمرين . وقول ابن المنير ، متعقبًا المصنف في استدلاله بقوله : يخسفان ، على جواز إطلاق ذلك على كل من الشمس والقمر ، حيث قال : أما الاستشهاد على الجواز في حال الانفراد بالإطلاق في التثنية فغير متجه ، لأن التثنية باب تغليب ، فلعله غلب أحد الفعلين كما غلب أحد الاسمين . تعقبه صاحب مصابيح الجامع : بأن التغليب مجاز ، فدعواه على خلاف الأصل ، فالاستدلال بالحديث متأت ، وقوله : كما غلب أحد الاسمين إن أراد في هذا الحديث الخاص ، فممنوع . وإن أراد فيما هو خارج : كالقمرين ، فلا يفيده بل ولو كان في هذا الحديث ما يقتضي تغليب أحد الاسمين لم يلزم منه تغليب أحد الفعلين . اه - . ( فإذا رأيتموهما ) بضمير التثنية ، ولأبي ذر في نسخة : فإذا رأيتموها ، بالإفراد ( فافزعوا إلى الصلاة ) بفتح الزاي ، وبالعين